حكم تولي المرأة الولايات العامة
السؤال :
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ما الصحيح في حكم تولي المرأة الولايات، وما سياق حديث لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة.
الجواب :
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
بارك الله فيكم.
الولاية في حق المرأة ليست بابًا واحدًا حتى يُسوَّى بين جميع صورها، وإنما تفرق إلى نوعين:
الأول: الولاية العامة الكبرى، وهي التي يرجع إليها أمر الأمة أو الدولة، من حرب وسلم وسياسة وقضاء عام وتنفيذ الأحكام، كالإمامة والخلافة والوزارة والقضاء.. وهذه لا تجوز للمرأة؛ فالحديث فيها ظاهر، والإجماع عليها منقول، حكى الإجماع ابن حزم،[مراتب الإجماع (126 ط دار الكتب العلمية)] والجويني،[الإرشاد إلى قواطع الأدلة (427 ت محمد يوسف موسى وعلي عبد المنعم عبد الحميد)] وابن العربي،[أحكام القرآن (1457/3 ت محمد عبد القادر عطا)] والقرطبي،[الجامع لأحكام القرآن (270/1 ط دار الكتب المصرية)] والبغوي.[شرح السنة (77/10 ت شعيب الأرناؤوط ومحمد زهير الشاويش)] وهذا كله لحديث أبي بكرة: «لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً».[صحيح البخاري (6/ 8)] قاله لما بلغه أن الفرس ملّكوا عليهم بنت كسرى. وهو مخرج في الديوان برقم: 1342.
ولا يقال أن هذا خاص متجه لابنة كسرى بل هو عام، لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ودليله هو حديث أبي بكرة نفسه، فقد قال: «عصمني الله بشيء سمعته من رسول الله ﷺ لما هلك كسرى، قال: من استخلفوا؟. قالوا: ابنته. فقال النبي ﷺ: لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة، قال: فلما قدمت عائشة يعني البصرة، ذكرت قول رسول الله ﷺ، فعصمني الله به».[سنن الترمذي (4/ 111)] وأمهات المؤمنين أفضل نساء زمانهن، ومات النبي ﷺ عن أكثرهن، وكذلك نساء الصحابة من المهاجرات والأنصاريات، لم يثبت أن الصحابة ولوا امرأة منهن، مع عقلهن ودينهن وعلمهن.[التفسير والبيان لأحكام القرآن (4/ 1913)]
الثاني: الولايات الخاصة والجزئية، كتصرف المرأة في مالها، ووكالتها، ونظارتها على وقف، وتعليمها، وإدارتها لما تختص به من مصالح مباحة؛ فهذه لا تدخل في الإمامة الكبرى، ولكل واحدة منها حكمها ودليلها. وهذا كله أن سلمت ولايتها من اختلاط، وتبرج، وسفر بدون محرم، ومخالفة للقرار الذي أمرت به.
أما ما ينقل عن ابن جرير تجويزه ذلك فلا يصح عنه أصلا، قال ابن العربي: «ونقل عن محمد بن جرير الطبري إمام الدين أنه يجوز أن تكون المرأة قاضية، ولم يصح ذلك عنه».[أحكام القرآن (1457/3 ت محمد عبد القادر عطا)] وكذلك قال القرطبي.[الجامع لأحكام القرآن (183/13 ط دار الكتب المصرية)] وهذا لأنه لا يوجد فيه كتبه ولا يجري على أصوله كذلك، والأقطع للنزاع أن ابن رشد، وهو ممن حكى عن الطبري جواز القضاء للمرأة، قال: «قال الطبري: يجوز أن تكون المرأة حاكمًا على الإطلاق في كل شيء، ثم استثنى صراحة: إلا ما خصصه الإجماع من الإمامة الكبرى».[بداية المجتهد ونهاية المقتصد (528/4 ط دار الحديث)]
وكذلك ما نقل عن أبي حنيفة في قضائها، فهي عنده إنما تقضي فيما تشهد فيه، وليس بأن تكون قاضية على الإطلاق، ولا بأن يكتب لها منشور بأن فلانة مقدمة على الحكم، إلا في الدماء والنكاح، وإنما ذلك كسبيل التحكيم أو الاستبانة في القضية الواحدة، بدليل قوله ﷺ :«لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة». وهذا هو الظن بأبي حنيفة وابن جرير. [أحكام القرآن لابن العربي ط العلمية (3/ 482)]. وأبو حنيفة كان يكره خروج الشابة للمسجد نهارا فكيف يبيح لها تولي ولاية تلتقي بها الرجال وتختلط بهم؟!.
أما الاستدلال بما ورد في القرآن ﴿إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل: 23] فقد ذكر الهدهد كونها امرأة في مقام الاستغراب، لا في مقام المدح، ولا حجة في القصة على الجواز؛ فقوم سبأ كانوا كفارًا، وحكاية واقع الكفار ليست تشريعًا، ولم يثبت أن سليمان أقرها على ملكها بعد إسلامها، ولهذا لما دخلت ملكة سبأ في ملك سليمان، لم يولها شيئا.[التفسير والبيان لأحكام القرآن (4/ 1911)]
أما الاستدلال بالواقع لمخالفة الحديث فباطل؛ لأن الواقع يُعرض على النص، ولا يُجعل حاكمًا عليه. وقوله ﷺ: «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة» لا يعني أن كل دولة تتولاها امرأة تنهار فورًا أو يزول اقتصادها؛ فالفلاح أوسع من المال والقوة المادية. والفلاح يظهر أول ما يظهر في الدين والأخلاق واستقامة المجتمع، لا في وفرة المال وحدها؛ فكيف توصف بالفلاح أمة تحارب الدين، وتشيع الإلحاد، وتشرعن المثلية، وتنقض الفطرة في الأسرة والأخلاق؟. وقد تكون الدولة غنية قوية مع فساد عظيم في دينها وأخلاقها، كما قال تعالى: ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ﴾ [الإسراء: 20].
ثم إن الدول اليوم لا تصنعها امرأة وحدها؛ بل تقوم على مؤسسات وجيوش واقتصاد وإرث سابق، فقد ترث المرأة دولة قوية، ويرث الرجل دولة منهارة. فمن جعل نجاحًا ماديًا جزئيًا ناقضًا لخبر نبوي صحيح، فقد اختزل الفلاح في المال، وجعل الواقع المتغير حاكمًا على النص الثابت.
المجيب: د. قاسم اكحيلات.
بارك الله فيكم.
الولاية في حق المرأة ليست بابًا واحدًا حتى يُسوَّى بين جميع صورها، وإنما تفرق إلى نوعين:
الأول: الولاية العامة الكبرى، وهي التي يرجع إليها أمر الأمة أو الدولة، من حرب وسلم وسياسة وقضاء عام وتنفيذ الأحكام، كالإمامة والخلافة والوزارة والقضاء.. وهذه لا تجوز للمرأة؛ فالحديث فيها ظاهر، والإجماع عليها منقول، حكى الإجماع ابن حزم،[مراتب الإجماع (126 ط دار الكتب العلمية)] والجويني،[الإرشاد إلى قواطع الأدلة (427 ت محمد يوسف موسى وعلي عبد المنعم عبد الحميد)] وابن العربي،[أحكام القرآن (1457/3 ت محمد عبد القادر عطا)] والقرطبي،[الجامع لأحكام القرآن (270/1 ط دار الكتب المصرية)] والبغوي.[شرح السنة (77/10 ت شعيب الأرناؤوط ومحمد زهير الشاويش)] وهذا كله لحديث أبي بكرة: «لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً».[صحيح البخاري (6/ 8)] قاله لما بلغه أن الفرس ملّكوا عليهم بنت كسرى. وهو مخرج في الديوان برقم: 1342.
ولا يقال أن هذا خاص متجه لابنة كسرى بل هو عام، لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ودليله هو حديث أبي بكرة نفسه، فقد قال: «عصمني الله بشيء سمعته من رسول الله ﷺ لما هلك كسرى، قال: من استخلفوا؟. قالوا: ابنته. فقال النبي ﷺ: لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة، قال: فلما قدمت عائشة يعني البصرة، ذكرت قول رسول الله ﷺ، فعصمني الله به».[سنن الترمذي (4/ 111)] وأمهات المؤمنين أفضل نساء زمانهن، ومات النبي ﷺ عن أكثرهن، وكذلك نساء الصحابة من المهاجرات والأنصاريات، لم يثبت أن الصحابة ولوا امرأة منهن، مع عقلهن ودينهن وعلمهن.[التفسير والبيان لأحكام القرآن (4/ 1913)]
الثاني: الولايات الخاصة والجزئية، كتصرف المرأة في مالها، ووكالتها، ونظارتها على وقف، وتعليمها، وإدارتها لما تختص به من مصالح مباحة؛ فهذه لا تدخل في الإمامة الكبرى، ولكل واحدة منها حكمها ودليلها. وهذا كله أن سلمت ولايتها من اختلاط، وتبرج، وسفر بدون محرم، ومخالفة للقرار الذي أمرت به.
أما ما ينقل عن ابن جرير تجويزه ذلك فلا يصح عنه أصلا، قال ابن العربي: «ونقل عن محمد بن جرير الطبري إمام الدين أنه يجوز أن تكون المرأة قاضية، ولم يصح ذلك عنه».[أحكام القرآن (1457/3 ت محمد عبد القادر عطا)] وكذلك قال القرطبي.[الجامع لأحكام القرآن (183/13 ط دار الكتب المصرية)] وهذا لأنه لا يوجد فيه كتبه ولا يجري على أصوله كذلك، والأقطع للنزاع أن ابن رشد، وهو ممن حكى عن الطبري جواز القضاء للمرأة، قال: «قال الطبري: يجوز أن تكون المرأة حاكمًا على الإطلاق في كل شيء، ثم استثنى صراحة: إلا ما خصصه الإجماع من الإمامة الكبرى».[بداية المجتهد ونهاية المقتصد (528/4 ط دار الحديث)]
وكذلك ما نقل عن أبي حنيفة في قضائها، فهي عنده إنما تقضي فيما تشهد فيه، وليس بأن تكون قاضية على الإطلاق، ولا بأن يكتب لها منشور بأن فلانة مقدمة على الحكم، إلا في الدماء والنكاح، وإنما ذلك كسبيل التحكيم أو الاستبانة في القضية الواحدة، بدليل قوله ﷺ :«لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة». وهذا هو الظن بأبي حنيفة وابن جرير. [أحكام القرآن لابن العربي ط العلمية (3/ 482)]. وأبو حنيفة كان يكره خروج الشابة للمسجد نهارا فكيف يبيح لها تولي ولاية تلتقي بها الرجال وتختلط بهم؟!.
أما الاستدلال بما ورد في القرآن ﴿إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل: 23] فقد ذكر الهدهد كونها امرأة في مقام الاستغراب، لا في مقام المدح، ولا حجة في القصة على الجواز؛ فقوم سبأ كانوا كفارًا، وحكاية واقع الكفار ليست تشريعًا، ولم يثبت أن سليمان أقرها على ملكها بعد إسلامها، ولهذا لما دخلت ملكة سبأ في ملك سليمان، لم يولها شيئا.[التفسير والبيان لأحكام القرآن (4/ 1911)]
أما الاستدلال بالواقع لمخالفة الحديث فباطل؛ لأن الواقع يُعرض على النص، ولا يُجعل حاكمًا عليه. وقوله ﷺ: «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة» لا يعني أن كل دولة تتولاها امرأة تنهار فورًا أو يزول اقتصادها؛ فالفلاح أوسع من المال والقوة المادية. والفلاح يظهر أول ما يظهر في الدين والأخلاق واستقامة المجتمع، لا في وفرة المال وحدها؛ فكيف توصف بالفلاح أمة تحارب الدين، وتشيع الإلحاد، وتشرعن المثلية، وتنقض الفطرة في الأسرة والأخلاق؟. وقد تكون الدولة غنية قوية مع فساد عظيم في دينها وأخلاقها، كما قال تعالى: ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ﴾ [الإسراء: 20].
ثم إن الدول اليوم لا تصنعها امرأة وحدها؛ بل تقوم على مؤسسات وجيوش واقتصاد وإرث سابق، فقد ترث المرأة دولة قوية، ويرث الرجل دولة منهارة. فمن جعل نجاحًا ماديًا جزئيًا ناقضًا لخبر نبوي صحيح، فقد اختزل الفلاح في المال، وجعل الواقع المتغير حاكمًا على النص الثابت.
المجيب: د. قاسم اكحيلات.