أمية النبي ﷺ

السؤال :

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. هناك من ينفي أمية النبي ﷺ بأنه أمر الصحابة أن يأتوه بكتاب، فما الرد على هذا بارك الله فيكم.

الجواب :

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
بارك الله فيكم.


أمية النبي ﷺ ثابتة بالقرآن والسنة والإجماع، قال تعالى: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ} [الأعراف: 157]، وقال: {فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ} [الأعراف: 158]، وقال في بيان حاله قبل القرآن: {وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ} [العنكبوت: 48].
ولما قال له جبريل عليه السلام: «اقْرَأْ»، قال ﷺ: «مَا أَنَا بِقَارِئٍ» [صحيح البخاري (7/1 رقم 3 ط السلطانية)]. وقال ﷺ: «إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ، لَا نَكْتُبُ وَلَا نَحْسُبُ» [صحيح البخاري (27/3 رقم 1913 ط السلطانية)] وهذا الحديث فيه بيان المقصود من الأمية حتى لا يحرف معناها.

وهذه الأمية ليست نقصًا؛ بل من دلائل نبوته: رجل لم يقرأ كتب الأمم ولم يخطها، ثم جاء بكتاب أعجز العرب وأخبر عن أخبار الأولين. وقد حكى أبو الوليد الباجي الإجماع على أنه ﷺ لم يكن قبل النبوة قارئًا ولا كاتبًا [تحقيق المذهب من أن النبي ﷺ كتب (ص 240 ت ابن عقيل الظاهري)].

لكن وقع الخلاف في مسألة أخرى: هل كتب ﷺ شيئًا بيده بعد النبوة، وخاصة يوم الحديبية؟. وهذا غير قول القائل: «تعلم القراءة والكتابة وصار يحسنهما».

وأقوى دليل للمثبتين حديث الحديبية، وفيه: «فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْكِتَابَ، وَلَيْسَ يُحْسِنُ يَكْتُبُ، فَكَتَبَ...» [صحيح البخاري (184/3 رقم 2731 ط السلطانية)]. لكن الروايات نفسها تبين أن عليًا رضي الله عنه هو الكاتب، وأن النبي ﷺ قال له: «أَرِنِي مَكَانَهَا». فالمجمل يفسر بالمبين، لا أن يؤخذ لفظ «فكتب» وتترك بقية القصة.

ثم إن نفس الرواية تقول: «وليس يحسن يكتب»، فكيف تُجعل دليلًا على أنه تعلم الكتابة وأحسنها؟. ولهذا جمع أبو محمد ابن مفوِّز المالكي طرق الحديث، ورجح أن عليًا رضي الله عنه هو كاتب الصلح [التحذير من نسبة الكتابة إلى النبي ﷺ يوم الحديبية ( ص253 ضمن تحقيق المذهب ت ابن عقيل الظاهري)].

واستدل بعضهم بقوله تعالى: {مِنْ قَبْلِهِ}، فقالوا: النفي قبل القرآن لا يمنع الكتابة بعده. والجواب: هذا يثبت الإمكان، لا الوقوع؛ وليس كل ممكن واقعًا.

واستدلوا بقوله ﷺ: «ائْتُونِي بِكِتَابٍ أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لَا تَضِلُّوا بَعْدَهُ» [صحيح البخاري (34/1 رقم 114 ط السلطانية)]. وهذا أضعف؛ لأن العرب تقول: «كتب الأمير» وإن كتب كاتبه بأمره، والنبي ﷺ كان له كتّاب يكتبون رسائله ووحيه.

وأما ما روي: «ما مات النبي ﷺ حتى كتب» وما جاء في تعلمه القراءة والكتابة، فلا يثبت. قال ابن عطية: «وهذا كله ضعيف» [المحرر الوجيز (322/4 ت عبد السلام عبد الشافي محمد)]. وقال ابن كثير: «فضعيف لا أصل له» [تفسير القرآن العظيم (287/6 ت سامي بن محمد سلامة)].

أما ما ينسب إلى الباجي من القول بتعلم النبي ﷺ الكتابة فليس صحيحا، فهو إنما قرر أن وقوعها بعد النبوة -لو ثبت- لا يناقض أميته، ثم انتهى إلى أن الرواية لم تثبت عنده، وقال: «فالصواب: الرجوع إلى المعلوم من حاله ﷺ، والمشهور من صفاته في امتناع الكتابة عليه» ووصف مثبتها بعد النبوة بأنه «مخطئ».[تحقيق المذهب من أن النبي ﷺ كتب ( ص 240 ت ابن عقيل الظاهري)].

فالخلاصة: أمية النبي ﷺ قبل النبوة نص وإجماع، ولم يثبت أنه تعلم القراءة والكتابة بعدها. وأقصى ما في الباب خلاف في كتابة مخصوصة يوم الحديبية، وهي لا تثبت تعلم الكتابة أصلًا.

فلا يُترك المحكم الصريح لخبر ضعيف، ولا تُحوَّل كلمة محتملة إلى دعوى عريضة بأن النبي ﷺ صار قارئًا كاتبًا؛ فهذا ليس بحثًا، بل خلط بين الممكن والثابت.

المجيب : د. قاسم اكحيلات.