تصدر المرأة للإفتاء.

السؤال :

السلام عليكم ورحمة الله. هل يجوز تصدر المرأة للإفتاء؟.

الجواب :

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
بارك الله فيكم.

يجوز للمرأة أن تفتي إذا كانت من أهل العلم والفقه؛ فالذكورة ليست شرطًا في أصل الفتوى ولا أعلم أحدا نص على غير هذا، وقد كانت عائشة رضي الله عنها من فقهاء الصحابة، يسألها الأكابر وتجيبهم.

لكن الناس يخلطون بين العلم والتصدر، وبين الفتوى والولاية؛ وليس كل من جاز له أن يبين حكم الله جاز له أن يتولى أمر الناس ويتصدر مجالسهم.

فالشرط الأول: ألا تكون الفتوى ولاية عامة لها سلطان وإلزام، فتدخل في معنى الولايات والقضاء، فهذا باب آخر، وقد قال النبي لما ولّى الفرس بنت كسرى أمرهم :«لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة».[1]. أما أن تسأل المرأة عن حكم فتجيب بعلم، فهذه رواية للعلم وبيان للشرع، وليست ولاية على الناس.

والشرط الثاني: ألا تجعل المرأة العلم سلّمًا إلى تصدر مجالس الرجال، والظهور الدائم لهم في القنوات والمنابر والمجالس العامة؛ فإن العلم لا يستلزم الظهور، والفقه لا يفتقر إلى الأضواء، وقد كانت عائشة رضي الله عنها تعلم الرجال من وراء حجاب، ولم يكن علمها بابًا لإسقاط الحشمة والستر.

وكانت فاطمة بنت الإمام مالك عالمة بموطأ أبيها، فإذا قرئ عليه وأخطأ القارئ نقرت الباب تنبيهًا له، وهي من وراء الباب. وقال الذهبي :«وقد ‌سمعنا ‌من ‌عدة ‌نسوة، وما رأيتهن. وكذلك روى عدة من التابعين عن عائشة، وما رأوا لها صورة أبدا».[2]. وحتى في المغرب فقد كانت عائشة بنت المختار بن الأمين الأزرق تُدرس النساء مختصر خليل، وقد ختمتهُ في اليوم الذي ختمه زوجها -الشيخ المختار الكُنتي- بجهة أخرى حيث كان يعقد مجلسه للرجال. [3]
وكانت فاطمة الفقيهة العالمة زوجة علاء الدين الكاساني تفتي، وكانت الفتوى تأتي فتخرج وعليها خطها وخط أبيها، فلما تزوجت الكاساني كانت الفتوى تخرج وعليها خط أبيها وخط زوجها وخطها بالخطوط الثلاث.[4] فكانت الفتوى تصدر عنها كتابة لا تصدرا للمجالس.

فالعلم كان حاضرًا، والساتر كان حاضرًا، ولم يروا بينهما تناقضًا؛ وإنما جاء التناقض عند قوم لا يرون للعلم قيمة حتى تصحبه الكاميرا والمنصة والجمهور.

فالمرأة قد تفتي وتعلم، ولكن ليس معنى جواز فتواها أن تتحول إلى متصدرة للرجال، ولا أن تجعل العلم ذريعة إلى كثرة الظهور والمخالطة والمجادلات العامة.

وأشد من ذلك خطرًا أن يتصدر للفتوى من لم يبلغ رتبتها؛ فالفتوى ليست رأيًا عابرًا ولا محتوى إعلاميًا، وإنما إخبار عن حكم الله، ومن تجرأ عليها بغير علم فقد تجرأ على الكلام عن الله بغير علم.

المجيب : د. قاسم اكحيلات

ــــــــــــ
المصادر والمراجع:

1.صحيح البخاري (6/ 8).
2.سير أعلام النبلاء - ط الرسالة (7/ 38).
3.النبوغ المغربي.عبد الله كنون. ص 350.
4.كتائب أعلام الأخيار من فقهاء مذهب النعمان المختار (2/ 365).