تدعو إلى القرار وهي لا تفارق الكاميرا

السؤال :

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. شيخنا الفاضل. ما رأيك في امرأة ظاهرها الالتزام والصلاح تتكلم في شؤون النساء وتنصحهنّ بالقرار في البيت والبعد عن الأفكار النسوية وما إلى ذلك لكن عن طريق الخروج في فيديوهات بشكل متكرر مع كونها كاشفة للوجه وصورها منشورة في مواقع التواصل الاجتماعي علماً أنها تتقاضى المال مقابل الاستشارات الأسرية.. هل كونها تسد ثغراً يبيح لها هذه الأفعال من الظهور ونشر الصور؟.

الجواب :

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
بارك الله فيكم.

هذا من التناقض الذي فضحته الوسائل الحديثة: تدعو المرأةُ النساءَ إلى القرار في البيوت، ثم لا تكاد تقرّ هي عن عدسة التصوير! وتحذرهن من ثقافة الظهور، ثم تبني دعوتها على ظهور صورتها للرجال صباح مساء؛ فأي قرارٍ يُدعى إليه إذا أصبحت الداعية نفسها محتوى عامًا؟.

قال الله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأحزاب: 33]. فالله قرن قرار المرأة في بيتها بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وطاعة الله ورسوله، فدل على أن القرار ليس شأنًا اجتماعيًا مجردًا، بل هو من جملة التعبد والانقياد لأمر الله.
والترتيب لافت: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ ثم ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ﴾ ثم ﴿وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ﴾؛ فكأن الشريعة تبني صلاح المرأة من جهتين متلازمتين: صيانة الظاهر عن أسباب الفتنة، وعمارة الباطن والبيت بالطاعة، فليس القرار تعطيلًا للمرأة، بل توجيهًا لوظيفتها ومحل عبادتها.

ومن الخطأ أن تُجعل العبادة محصورة في الصلاة والزكاة، ثم يُنظر إلى القرار والستر كأنهما عادات قابلة للإلغاء؛ فالآية ساقت الجميع في نسق واحد من الأوامر. ومن أطاع الله في محرابه ثم عصاه في باب الظهور والتبرج فقد جزّأ الطاعة، والشريعة لا تعرف عبادةً داخل المسجد وتمردًا خارجه.
وفيه أيضًا أن البيت ليس نقيض العبادة، بل من ميادينها؛ فالمرأة قد تُثاب على قرارها وسترتها كما تُثاب على صلاتها إذا قصدت الامتثال. ولهذا كان قلب مفهوم «القرار» إلى معنى الدونية من آثار الموازين الحديثة لا من ميزان الوحي.
فالآية لم تقل: اعبدن الله فقط، بل جعلت من هيئة الحياة نفسها عبادة: قرارًا، وسترًا، وصلاةً، وزكاةً، وطاعة.

والحجاب في الشريعة ليس ثوبًا يُلبس ثم تُستباح بعده صناعة الحضور أمام الرجال، بل مقصوده الستر وتقليل أسباب الفتنة، فمن جعلت وجهها محفوظًا في آلاف المقاطع والصور، يتداوله الرجال وينظرون إليه متى شاؤوا، ثم حدثتهم طويلًا عن «القرار»؛ فقد صار فعلها يهدم من كلامها بقدر ما تبنيه مواعظها.

وأما قولهم: «تسد ثغرًا» فليس في الشريعة ثغر يُسد بمعصية؛ فإن الله لا يُنصر بما نهى عنه، ولو كان حسن المقصد يبيح الوسائل، لفتح كل صاحب هوى حراما ثم سماه مصلحة للدعوة.
والمرأة تستطيع تعليم النساء ونصحهن، والاستشارة معهن، والكتابة لهن ولا تجعل صورتها سلعة دعوية تتكرر أمام الرجال، فإذا أمكن تحصيل المقصود بطريق أحفظ للدين والعرض، كان العدول عنه إلى كثرة الظهور دليلًا على أن القضية لم تعد «ضرورة دعوية» كما يُقال.

وأخذ الأجرة على الاستشارة المباحة في ذاته شيء، وتسويق النفس والصورة لتحقيق الانتشار والربح شيء آخر؛ فلا ينبغي خلط الأحكام حتى يصبح المال عذرًا للظهور، والظهور عذرًا للدعوة، والدعوة عذرًا لمخالفة ما يُدعى النساء إليه.

ومن أخطر أبواب الفتنة أن يتحول الدين إلى علامة شخصية: تتحدث المرأة عن الحياء بصورتها، وعن القرار بظهورها، وعن محاربة النسوية بأدوات صناعة الشهرة نفسها؛ فتُحارب الفكرة من جهة، ثم تُسلم لها أصلًا من أصولها من جهة أخرى.

فالحياء الذي يحتاج كل يوم إلى كاميرا تثبته، ليس هو الحياء الذي جاءت الشريعة بحفظه.

ومن صدقت في دعوتها إلى الستر، بدأ أثر دعوتها من نفسها قبل غيرها؛ فإن الناس قد ينسون عشرات المواعظ، ولكنهم لا ينسون التناقض بين اللسان والعمل.

المجيب : د. قاسم اكحيلات.