تدعي أن النبي ﷺ لا يفتي في أمور النساء.

السؤال :

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ما الرد الصحيح على من تقول أن النبي ﷺ ليس له أن يفتي في أمور النساء، مستدلة بقول الله ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ﴾ [النساء: 127]. فلو كان للنبي ﷺ أن يفتي لم يقل له (قل).

الجواب :

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
بارك الله فيكم.

هذه دعوى لا تستقيم؛ فأول الآية يقول: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ﴾، أي: يطلبون منك الفتوى، فلو كان النبي ﷺ لا يملك الإفتاء لكان أول الكلام إنكارًا لاستفتائه، لا إثباتًا له. ولم يقل الله: لا تستفتوه، وإنما قال له: ﴿قُلِ﴾؛ فأمره أن يتولى الجواب والبيان. ومن قرأ «يستفتونك» ثم زعم أنها تنفي الفتوى عنه، فقد خاصم أول الآية بآخرها، وما فهم هذا القرآن بل حمّله ما في رأسه.
وقوله: ﴿اللَّهُ يُفْتِيكُمْ﴾ بيانٌ لمصدر الفتوى، لا نفيٌ لمن يبلغها ويبينها؛ فالله يفتي تشريعًا ووحيًا، ورسوله يفتي تبليغًا وبيانًا وحكمًا بما أوحى الله إليه. والآية نفسها جعلت الجواب على لسان النبي ﷺ: ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ﴾؛ فالله لم يخاطب القوم من غير رسوله، وإنما جعل رسوله ناطقًا بحكمه.

وسبب نزول الآية يقطع لسان هذه الشبهة؛ فقد قالت عائشة رضي الله عنها في الحديث الصحيح :«ثم إن الناس استفتوا رسول الله ﷺ بعد هذه الآية، فأنزل الله: {ويستفتونك في النساء}». [صحيح البخاري (3/ 140)] سمّت عائشة فعلهم استفتاءً لرسول الله ﷺ، وأقرهم الله على توجيه السؤال إليه، ثم أنزل الجواب عليه ليبلغه إليهم. فهل يفهم صاحب الشبهة الآية أحسن من عائشة التي شهدت التنزيل؟!.

والصيغة نفسها جاءت في آخر السورة: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ [النساء: 176]، وتقديم اسم الله هنا للاهتمام والتنويه لا للحصر؛ لأن المستفتين يعلمون أن الرسول ﷺ لا يبلغهم إلا حكم الله. فمن جعل تقديم اسم الله دليلًا على نفي فتوى الرسول فقد جهل أساليب العربية، ثم بنى على جهله أصلًا يهدم به السنة.

ثم القرآن الذي اقتطعوا منه هذه الآية هو الذي قال للنبي ﷺ: ﴿104) إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء: 105]، وقال: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: 65]. فأثبت له الحكم والقضاء، وجعل التسليم لقضائه شرطًا في الإيمان؛ فكيف يملك الحكم في الدماء والأموال والخصومات ولا يملك بيان حكم امرأة تسأل عن أمر دينها؟!. فهل يقال: لما كان الحكم لله وحده لم يملك النبي ﷺ الحكم بين الناس؟!. من قال ذلك كذّبه القرآن. وكذلك الفتوى، كونها لله أصلًا لا يمنع أن يفتي بها رسوله نقلًا وبيانًا.

نعم، النبي ﷺ لا يشرع من هوى نفسه، وهذا لا نزاع فيه؛ لكنه يفتي ويبين ويحكم بوحي الله، وما اجتهد فيه لم يقره الله على خطأ. أما جعل قوله: ﴿اللَّهُ يُفْتِيكُمْ﴾ إلغاءً لفتوى الرسول، فهو كجعل قوله: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ إلغاءً لحكمه؛ خلطٌ بين مصدر الحكم وبين المبلّغ الحاكم به.

والحقيقة أن هؤلاء لا يعظمون فتوى الله، وإنما يريدون إسقاط سنة رسول الله ﷺ باسم الله؛ يأخذون من الآية لفظ الجلالة، ويحذفون منها ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾ و﴿قُلِ﴾. ومن كان هذا شأنه لا يتبع القرآن، بل ينتقي منه ما يستر به رأيًا سابقًا. فمن أراد إقصاء النبي ﷺ عن شؤون النساء، استدل بآية جعل الله فيها النبيَّ ﷺ هو المستفتى، وهو المخاطب، وهو المأمور بالجواب؛ وهذه ليست حجة، وإنما فضيحة في الفهم.

فالآية حجة في حجية بيان النبي ﷺ، لا في إسقاطه؛ ومن استدل بها على نفي فتواه، فقد استدل بإثبات الشيء على نفيه، وهذه لا تصدر عن قراءة، وإنما عن إرادة سبقت القراءة.

المجيب : د. قاسم اكحيلات.