حكم الحج مقابل العمل الذي تقوم به بعض وكالات الأسفار

السؤال :

السلام عليكم شيخنا، لدي سؤال يخص الحج مقابل العمل، هناك بعض الوكالات التي تمنح عقود عمل (جزار أو مساعد جزار) مع تأشيرة و تصريح بالحج، مقابل مال بين 2 و 4 مليون سنتيم مغربي يؤديه المستفيد (الجزار أو مساعده)، و الوكالة تقول بأن هذا المبلغ هو لقاء مصاريف الطائرة و الفندق و أجر العاملين بالوكالة. و الإشكال أن المستفيد يوقع على عقد من ضمن بنوده أنه لم يؤدي أي مال مقابل هذا التأشيرة أو هذا العقد مع أنه أدى مالا، و هذا نص البند : - إقرار المستفيد بأنه لم يدفع أية مبالغ مادية لحصوله على عقد العمل الموسمي أو التأشيرة. فهل هذا يعتبر شهادة زور أو كذب أو أنه لا حرج فيه ؟ لأنه السبيل الوحيد لبعض الناس لأداء فريضة الحج بدل القرعة التي ينتظرها سنوات و لا يحج بها. و هل حج المستفيد صحيح بهذه الطريقة ؟

الجواب :

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
بارك الله فيكم.

بعد الاطلاع على العقد الذي ينظم هذا الفعل، تبين أن المستفيد يوقع على عقد من ضمن بنوده (أنه لم يؤدي أي مال مقابل هذا التأشيرة أو هذا العقد) مع أنه أدى مالا!.

وهذا محرم، فأنت لا توقع على ورقة إدارية فحسب، بل توقع على شهادة تعلم يقينا أنها كذب، وتقر بأنك لم تدفع مالا مع أنك دفعته. وهذا من شهادة الزور الصريحة التي قرنها النبي ﷺ بالشرك وعقوق الوالدين، وما زال يكرر التحذير منها حتى قال الصحابة: ليته سكت.[صحيح البخاري (3/ 172)] وقد قال ربنا :﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾[الحج: 30].

ولا يغير الحكم كون الوكالة تزعم أن المبلغ مقابل الطائرة أو الفندق أو المصاريف الإدارية، لأن محل السؤال هو الإقرار المكتوب، فإن كان المال قد دُفع حقيقة، ثم وُقِّع على نفي دفعه، فهذا إقرار كاذب لا يجوز.

ثم إن هذه التأشيرات أُعطيت لأعمال محددة، فإذا تحولت إلى باب للمتاجرة والبيع الخفي، وصار العامل يدفع المال ليحصل عليها، ثم يُخفى ذلك في العقود الرسمية، فهذا من الغش والتدليس وأكل الأموال بالباطل.

أما قول بعضهم: هذه فرصة لا تتكرر، أو القرعة قد تطول، ليس عذرا، فكم من إنسان اشتاق إلى الحج ومات قبل أن يحج، ولم يبح الله له لأجل شوقه شهادة الزور. والاستطاعة التي علق الله بها الحج ليست استطاعة المال والبدن فقط، بل استطاعة الطريق المباح كذلك.


وأما عن صحة الحج، فإن وقع مستوفيا لأركانه وشروطه فهو صحيح من جهة الإجزاء، لكن هذا لا يرفع إثم الكذب وشهادة الزور. وكم من عمل صح في الظاهر ونقص أجره أو حُرم بركته بسبب ما خالطه من المعاصي.

فاتق الله، ولا تبع صدقك بتأشيرة، ولا تشتر زيارة البيت الحرام بشهادة تعلم بينك وبين الله أنها كاذبة. فإن الله أكرم من أن يحرمك فضله إذا تركت الحرام لأجله، وأشد من أن يبارك لك في معصية اتخذتها طريقا إلى طاعته.

قد تنشدُ أمرا ولا تجده، وقد تجده ولا تصل إليه. احرص فقط أن تظل على ذلك الطريق.. فقد اختصمت الملائكة في رجل قتل مئة نفس، فقبضته ملائكة الرحمة لأنه مضى في طريق -لم يصله- يريد التوبة!.

المجيب: د. قاسم اكحيلات.