العلم قبل الحجاب!
السؤال :
السلام عليكم دكتور وبارك الله فيكم. رأينا أحدهم يقول بأن العلم مقدم على الحجاب، اعتذارا لمن سافرت بلاد غير المسلمين كاشفة شعرها، وقال هذا علم وهو مقدم، فما قولكم بارك الله فيكم.
الجواب :
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
بارك الله فيك.
من قال أن العلم مقدم على الحجاب، فقد جهل قدر الوحي أو قدّم هواه عليه. الحجاب حكم محكم، وفرض عين، ومعلوم من الدين بالضرورة، لا يسع المسلمة تركه بحال، لا لجامعة، ولا لوظيفة، ولا لرضا مجتمع. ومن جعل أمر الله قابلا للتأجيل، فقد نازع النص سلطانه، وجعل نفسه مشرّعا من دون الله.
الحجاب مما عُلم من الدين بالضرورة، لا يخفى وجوبه على مسلم، وأما هذا العلم الذي يُتذرع به فغاية ما فيه أنه فرض كفاية أو من مصالح الدنيا المباحة، فكيف يُترك ما هو معلوم من الدين بالضرورة، وفرض عين لازم، لأجل ما ليس كذلك؟! هذا ليس فقها في الموازنة، بل انقلاب في الموازين. والعلم الذي يُطلب بثمن المعصية ليس علما، بل شبهة مزخرفة، يفتح بابها الشيطان باسم العلم، حتى يُهوِّن أول التنازل، فإذا هان الحجاب، هان بعده ما هو أعظم. والدين لا يُسلب دفعة واحدة، بل يُنزع خيطا خيطا، حتى تستيقظ النفس وقد تعودت الخسارة وهي تظنها تقدما.
واليوم تكشف المرأة شعرها بحجة العلم، وغدا تكشف صدرها بحجة الطب، وبعد غد تُقال لها: هذا كله من متطلبات الواقع!. هكذا يبدأ الانحدار، لا بقفزة واحدة، بل بخطوة يُسكت عنها، ثم ثانية تُبرر، ثم ثالثة تُطبع حتى يصير المنكر ثقافة، والتفلت نضجا، والانحلال حرية. هؤلاء جعلوا فرض الله مرحلة مؤجلة، كأن الطاعة تابعة للظروف، لا أن الظروف تُضبط بالطاعة. وهذا قلب لأصل الدين؛ فالمؤمنة تُؤمر فتسمع وتطيع، لا تفاوض على الحكم حتى يوافق خطتها.
والسفر إلى بيئات الفتنة، بلا محرم، مع اختلاط وتبرج، ثم يُقال: هذا لأجل العلم! هو في حقيقته فتح لباب المنكر، وتوسيع لذرائعه، وإعانة عليه. والشرع لا يجيز سلوك طريق محرم لأجل غاية يراها الناس مصلحة، لأن الله لا يُعبد بمخالفته، ولا تُطلب بركته بمعصيته.
والقرآن قطع مادة هذا التلبيس بقوله:﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: 36] فمن خُير بين الحجاب والشهادة، فقد فُتن قبل أن يختار. وقال تعالى:﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور: 31]وقال:﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب: 33] فهذه أوامر لا تُعلَّق حتى تنتهي الدراسة، ولا تُخفف حتى ترضى الجامعة.
عن ابن عباس قال :«هذه المرأة السوداء أتت النبي ﷺ فقالت: إني أصرع، وإني أتكشف، فادع الله لي. قال: إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت دعوت الله أن يعافيك. فقالت: أصبر، فقالت: إني أتكشف، فادع الله أن لا أتكشف، فدعا لها». [صحيح البخاري (7/ 116)]. الحديث يفضح الفرق بين قلبٍ يعرف قدر الستر، وقلبٍ هان عليه أمر الله. امرأة تُصرع قهرا فتخاف من انكشاف بدنها، واليوم تُقنع بعض البنات أن كشف الشعر خطوة طبيعية في طريق النجاح!.
ومن تأمل حال الناس، وجد أن أول ما يُكسر في طريق النجاح هو الحياء، فإذا كُسر الحياء، تبعته بقية الحصون. ولهذا كان الحجاب سدا وبابا؛ سدا لذرائع الفتنة، وبابا لحفظ القلب. فمن هدمه بيده، ثم طلب السلامة بعده، فقد طلبها من غير بابها.
لكن الهوى إذا تمكن من النفس زيّن لها الباطل حتى تراه حقا، ثم تطلب له التعليلات بعد ذلك. فالمشكلة عند كثيرين ليست قلة الأدلة، بل فساد التسليم، ولهذا لا يقفون عند النص، بل يلتفون عليه باسم العقل والواقع اولمصلحة.
وكل مشروع تعليمي يطلب من المرأة أن تبدأ طريقها بمعصية، فهو مشروع خراب ولو ازدحم عليه الناس، لأن الله لا يفتح لعبده أبواب النور وهو يعانده عند أول الطريق.
اكشفوا لها اليوم شعرها باسم الشهادة، وغدا سيكشفون ما بعده باسم التخصص..
المجيب: د. قاسم اكحيلات