مجالسة الدعاة للعاريات!.
السؤال :
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. رأينا تغريدة لكم بخصوص مجالسة امرأة متبرجة لمن يريد الدعوة، وقد أحدث هذا بعض النقاش، بين مؤيد ومعارض، فهلا بينت لنا أكثر الحكم، وهل تعتبر المصلحة في مثل هذه الأحوال؟!.
الجواب :
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
بارك الله فيكم.
من جالس قوما في مجلس يعصون الله فيه فهو على حالين :
الأولى: إن كان راضيا بقولهم في باطنه -وعلامة ذلك مشاركتهم في الضحك والانبساط على ما يقولون- فحكمه كحكمهم؛ فمن العجيب أن الدعاة ينبسطون مع المتبرجات على القنوت، ولا يجدون حرجا في إظهار ذلك. ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ [النساء: 140].
الثانية: إن كان غير راض لكلامهم ولا ضاحك ولا منبسط لقولهم، فيأخذ إثم السكوت عن المنكر، لأن إنكار المنكر لا يعني تعبيس الوجه وطأطأة الرأس، بل القيام، لذا لن ترى واحدا منهم يبين منكرها. ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان: 72].
الذي يجالس عارية بحجة الدعوة قد قلب الميزان؛ لأنه يجالس كاشفة شعرها، ويمتنع عن كاشفة ثديها، مع أن الجميع داخل في كشف ما أمر الله بستره، فالشريعة لا تُبنى على انتقاء العورات بحسب الهوى، بل على أصل الستر والانضباط، ومن بدأ يخفف في بعض المنكر بحجة أنه دون غيره فقد فتح بابا لا يُغلق.
ومن تأمل باب الاختلاط والنظر علم أن الشارع لم يمنع النظر والخضوع بالقول عبثا، بل لأنه طريق، فإذا مُنع الطريق مُنع ما بعده، فمن فتحه باسم الدعوة نقض أصل الباب.
والمصلحة في هذا الباب موهومة، والمفسدة متحققة؛ تعلق، وتدرج، وتطبيع للمنكر، حتى يُرى المعروف منكرا والمنكر معروفا، وهذا هو عين ما حذّر منه أهل العلم في أبواب الفتن، فهؤلاء نسوة مشركات أسلمن وجئن يبايعن النبي ﷺ فقلن له :«ألا تصافحنا؟. قال: إني لا أصافح النساء». [مسند أحمد (44/ 559 ط الرسالة)]. فلم يقل النبي صلى الله عليه وسلم :(مشركات، أصافحهن عسى أن يؤمن) امتنع حتى لا يبيح الحرام بحجة الخوف من الكفر، وقول ربنا :{عَبَسَ وَتَوَلّى} نزل في مسلم أعمى، تولى عنه النبي ﷺ طمعا في إسلام غيره، عوتب فيه لأن الدعوة توجه للمتبع لا للمعاند، فالدعوة لا تبيح الحرام ولا تلغي الحدود.
ولو سلّمنا جدلا بما يطلقه بعضهم، من أن الدخول على شارب الخمر لأجل الإنكار عليه قد يُقبل، فإن هذا إنما يستقيم لو كان جلوسه مع المتبرجة لإنكار تبرجها، لا أن يتفكه بحضرتها، ثم يزعم أنه ينكر معصية غيرها؛ فهذا جمع بين التناقض والهوى، إذ سكت عن المنكر الذي بين يديه، وتعلل بمنكر أبعد منه.
ولعل بعضنا تذكرون مؤسسة (يقين) التي كانت تخلط الرجال بالنساء بحجة الدعوة، انطفأ نورهم، وفرق شملهم، وغابت دعوتهم! هذه سنّة لا تتخلف: من خالف الشرع في الوسيلة حُرم بركة الغاية.
المجيب : د. قاسم اكحيلات.