اتهام النووي ببتر حديث الدنو يوم عرفة.

السؤال :

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. نشر أحدهم  صورة مع المصدر من كتاب رياض الصالحين مداعيا على الإمام النووي بأنه بتر هذا الحديث :«ما من يوم أكثر من أن ‌يعتق ‌الله ‌فيه ‌عبدا من النار من يوم عرفة». وتمام الحديث :«وإنه ليدنو، ثم يباهي بهم الملائكة، فيقول: ما أراد هؤلاء ». فهل فعلا هذا الحديث مبتور. 

الجواب :

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
بارك الله فيكم.

النووي رحمه الله ذكر الحديث في باب الحج، فأورد منه ما يناسب الترجمة، وهذا منهجه في رياض الصالحين، فهو كتاب ترغيبٍ لا كتاب استيعابٍ وتطويل.

واختصار الحديث ليس تهمة، بل هو منهج مشهور عند كبار المحدثين، وعلى رأسهم البخاري؛ فقد قال ابن الملقن: «جمهور المصنفين على جواز تقطيع الحديث إذا لم يخل بالمعنى .. ‌ومن ‌أكثرهم ‌استعمالا ‌لهذا ‌البخاري». [البدر المنير في تخريج الأحاديث والأثار الواقعة في الشرح الكبير (7/ 384)]. وأول حديث في صحيح البخاري نفسه مثالٌ واضح؛ فقد ذكر البخاري :«إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو إلى امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه». [صحيح البخاري (1/ 6)]. ثم رواه كاملًا في مواضع أخرى، وتقسيمه للحديث هكذا بحسب الأبواب، لا حذفًا لمعنى مقصود.

والنووي نفسه ذكر الحديث كاملًا في كتبه الأخرى، كشرحه على مسلم [شرح النووي على مسلم (9/ 117)]. وبيّن فيه معناه على مذهبه. وذكره في [المجموع شرح المهذب (8/ 115 ط المنيرية)]. ولو كان ممن يبتر أحاديث الصفات، لما أثبت حديث الهرولة وشرحه في [رياض الصالحين - ت الفحل (ص147)].  وحديث «إن الله تعالى ‌يغار». [رياض الصالحين - ت الفحل (ص502)].

وقد صرّح النووي بمذهبه في مسألة الاختصار فقال: «‌وجوزه ‌جماعة ‌مطلقا ونسبة القاضي عياض إلى مسلم، والصحيح الذي ذهب إليه الجماهير والمحققون من أصحاب الحديث والفقه والأصول التفصيل وجواز ذلك من العارف». [شرح النووي على مسلم (1/ 49)].

فما فعله النووي في رياض الصالحين اختصار مشروع، لا بتر ولا تدليس، وهو منهج اتفق عليه أهل الحديث، والنووي إن كان يرى مذهبا مخالفا فهو ليس ممّن ينتصر لمذهبه بالكذب، ولا يحمي اختياره بالتحريف؛ بل يصرّح بما يراه صوابًا، ويقرره بدليله، لا بالتلفيق ولا بالتمويه.

من يتطاول على النووي باتهام البتر ليس ناقدً، بل متطفّلٌ أعمى؛ يلتقط جملةً من هنا وهناك ثم يهجم كالجاهل الذي لا يعرف وزن الكلمة ولا قدر الرجال. هذا الصنفُ لو فُتِح له صحيح البخاري لضلّ في فهرسه، ولو عُرِض عليه الإسناد لظنّ الرجالَ أسماءَ شوارع.

تتبّع العثرات حرفةُ العاجز لا العالم.

المجيب : د. قاسم اكحيلات.